الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

خاتمة 59

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

غير واحد من باب الوثوق على الرّواية لأجل صدور الرّواية حال الاستقامة أو لأجل القرائن الخارجيّة ما يرويه الأصحاب عن الحسين بن بشار الواقفي وعلىّ بن أسباط الفطحي وغيرهما ممّن كانوا من غير الأماميّة ثم تابوا ورجعوا واعتمد الأصحاب على روايتهم وكذا ما يرويه الثّقاة عن علّى بن رياح وعلي بن أبي حمزة وإسحاق بن جرير من الواقفيّة الذين كانوا على الحقّ ثم توقّفوا فان قبول الثّقات رواياتهم امّا للعلم بصدورها في حال الاستقامة أو للقرائن الخارجيّة ضرورة انّ المعهود من أصحاب الأئمّة عليهم السّلام كمال الاجتناب عن الواقفيّة وأمثالهم من فرق الشّيعة وكانت معاندتهم معهم وتبرّيهم عنهم أزيد منها من العامّة سيّما مع الواقفيّة حتّى انّهم كانوا يسمّونهم الممطورة اى الكلاب الّتى أصابها المطر وكانوا يتنزّهون عن صحبتهم والمكالمة معهم وكان ائمّتهم عليهم السّلام يأمرونهم باللّعن عليهم والتبرّى منهم فرواية ثقاتهم واجلّائهم عنهم قرينة على انّ الرّواية كانت حال الاستقامة أو انّ الرّواية عن أصلهم المعتمد المؤلّف قبل فساد العقيدة أو المأخوذ عن المشايخ المعتمدين من أصحابنا ككتب علي بن الحسن الطّاطرى الّذى هو من وجوه الواقفيّة فانّ الشّيخ ره ذكر في الفهرست انّه روى كتبه عن الرّجال الموثوق بهم وبروايتهم وقد استظهر المحقّق البهائي ره في محكى مشرق الشّمسين كون قبول المحقّق ره رواية علىّ بن حمزة المذكور مع شدّة تعصّبه في مذهبه القاسد مبنيا على كونها مأخوذة من أصله فانّه من أصحاب الأصول وكذا قول العلّامة ره بصحّة رواية إسحاق بن جرير عن الصادق عليه السّلام فانّه ثقة من أصحاب الأصول أيضا وتأليف هؤلاء أصولهم كان قبل الوقف لأنّه وقع في زمن الصّادق ( ع ) فقد بلغنا عن مشايخنا قدّس اللّه تعالى اسرارهم انّه كان من دأب أصحاب الأصول انّهم إذا سمعوا من أحد الأئمّة عليهم السّلام حديثا بادروا إلى اثباته في أصولهم لئلّا يعرض لهم نسيان لبعضه أو كلّه بتمادى الأيام وتوالى الشّهور والأعوام كما صرّح بذلك كلّه جمع منهم المحقّق القمّى ره في القوانين فيلزم بذل الجهد والجدّ في تميز من يقبل خبره عمن لا يقبل وفّقنا اللّه تعالى وايّاك للعلم والعمل الجهة الثانية [ عدالة الراوي ] انّه تثبت عدالة الرّاوى بشئ من أمور أحدها الملازمة والصّحبة المؤكّدة والمعاشرة التامّة المطلعة على سريرته وباطن امره بحيث يحصل العلم أو الأطمينان العادي بعدالته لكن لا يخفى عليك اختصاص هذا الطّريق بالرّاوى المعاصر واشتراك بقيّة الطّرق بينه وبين الرّاوى السّابق على زماننا ثانيها الأستفاضة والشّهرة فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم وشاع الثّناء عليه بها كفى في عدالته ولا يحتاج مع ذلك إلى معدل ينصّ عليها كمشايخنا السّالفين من عهد الشّيخ محمّد بن يعقوب الكليني ره وما بعده إلى زماننا هذا فانّه لا يحتاج أحد من هؤلاء المشايخ المشهورين إلى تنصيص على تزكية ولا تنبيه على عدالة لما اشتهر في كلّ عصر من ثقتهم وضبطهم وورعهم زيادة على العدالة وانّما يتوقف على التّزكية غير هؤلاء من الرّواة الّذين لم يشتهروا بذلك ككثير ممّن سبق على هؤلاء وهم طرق الأحاديث المدوّنة في الكتب غالبا ثالثها شهادة القرائن الكثيرة المتعاضدة الموجبة للاطمينان بعدالته ككونه مرجع العلماء والفقهاء وكونه ممّن يكثر عنه الرّواية من لا يروى الّا عن عدل ونحو ذلك من القرائن فانّه إذا حصل الأطمينان والعلم العادي منها بوثاقة الرّجل كفى في قبول خبره لبناء العقلاء على ذلك رابعها تنصيص عدلين على عدالته بان يقولا هو ثقة أو عدل أو مقبول الرّواية ان كانا يرى ممّن العدالة شرطا أو نحو ذلك وكفاية ذلك ممّا لا خلاف فيه ولا شبهة لما قرّرناه في محلّه من حجيّة البيّنة في غير المرافعات أيضا مط وفي كفاية تزكية العدل الواحد له في قبول روايته قولان أحدهما الكفاية وهو خيرة جمع كثير منهم العلّامة ره في التّهذيب بل قيل انّ عليه الأكثر وفي البداية انّه قول مشهور لنا ولمخالفينا ثانيهما عدم الكفاية وتعيّن الاثنين وهو خيرة آخرين منهم سيدك حجّة القول الأوّل أمور الأوّل اصالة عدم الأشتراط بعد عدم الدّليل عليه كما ستعرف انشاء اللّه تعالى الثّانى ما أشار اليه في البداية واشتهر الاستدلال به بين المتأخّرين من انّ العدالة شرط في الرّواية وشرط الشّيء فرعه والاحتياط في الفرع لا يزيد على الاحتياط في الأصل وقد اكتفى في الأصل وهي الرّواية بواحد فيكفي الواحد في الفرع أيضا اعني العدالة والّا زاد الاحتياط في الفرع على الأصل وأجيب عن ذلك بوجوه أحدها انّه يشبه القياس وتوهّم انّه من القياس بالطّريق الأولى ممنوع لعدم القطع بالأولويّة بل يمكن دعوى كونه من القياس مع الفارق الّذى لا يقول به حتى أهل القياس وذلك لأنّ ثبوت الحكم في الأصل أقوى منه في الفرع لأن الأصل وهو الرّواية معلوم انّه ليس بشهادة فلا يعتبر فيه التعدّد جزما بخلاف الفرع لأحتمال كونه شهادة كما ادّعاه بعضهم وان كان فيه ما يأتي انشاء اللّه تعالى ثانيها منع لزوم زيادة الفرع على الأصل بناء على اعتبار التعدّد وذلك لأنّ الأصل مشروط بثلاثة الرّاوى ومزكّييه والفرع باثنين وهما المزكّيان فالفرع لم يزد على الأصل وردّ بانّ المزيّة للفرع على الأصل بناء على اعتبار التعدّد غير قابلة للانكار ضرورة انّك تقبل رواية عدل واحد زكّاه عدلان ولا تقبل تزكية عدل واحد زكّاه عدلان ثالثها منع عدم جواز زيادة الفرع على الأصل بهذا المعنى إذ لا دليل عليه من عقل ولا نقل والاستدلال عليه بانّ المتبادر من الشّرط ان لا يكون وجوده واعتباره زايدا على المشروط كما هو شان المقدّمات وانكاره مكابرة مردود بانّ ذلك لو سلم فانّما هو من جهة التبعيّة لا من حيث هو الا ترى انّ الأيمان شرط لصحّة الصّلوة مع أن وجوده واعتباره زايد على المشروط من جهة اعتبار اليقين فيه والاكتفاء بالظنّ في المشروط وكونه من أصول الدّين وهي من فروعه مع انّ فرض التعدّد في الفرع دون الأصل أيضا موجود في الأحكام الشرعيّة فانّ بعض الحقوق يثبت بشهادة واحد بل مرئة واحدة كربع ميراث المستهل وربع الوصيّة مع انّ تزكية الشّاهد لا بد فيه من عدلين كما نبه على ذلك في القوانين ثم قال وامّا ما مثّل به من ثبوت وجوب الحد بالقذف بخبر الواحد وهو مشروط بثبوت القذف وبلوغ القاذف وكل منهما يتوقّف بثوته على الشّاهدين ففيه نظر فانّه ان أريد من خبر الواحد حكم الحاكم فهو فرع الشّهادة لا أصلها وان أريد منه الرّواية الدالّة على أصل المسئلة فهو ليس بمشروط بثبوت القذف بالشّاهدين بل المشروط به هو اجراؤه في المادّة المخصوصة وما قيل في دفعه من انّ هذه شهادة وثبوت التعدّد فيها لا يوجب ثبوته في غيرها وبعبارة أخرى انّ هذا مخرج بالدّليل ففيه انّ عدم زيادة الفرع على الأصل ان سلم فهي قاعدة عقلية لا تقبل التّخصيص انتهى وما ذكره في محلّه الثّالث انّ حجيّة خبر الواحد انّما هي من باب الأطمينان العقلائي كما هو المختار ولا شبهة في كفاية تزكية الواحد إذا أفاد الأطمينان بل لا معنى لاشتراط العدالة عليه الّا باعتبار اعلام طرق الأطمينان والتنّبيه عليها والتّنبيه على انّ خبر الفاسق لا يفيد الأطمينان وربّما جعل المحقق القمّى في القوانين مقتضى القاعدة كفاية الواحد في التّزكية بتاء على اعتبار خبر الواحد من حيث انّه خبرا واعتباره من باب انّه خبر مصطلح مروىّ عن المعصوم عليه السّلام أيضا وبعض ما ذكره لا يخلو من نظر فراجع وتدبّر الرّابع اية النّباء بتقريب انّ النباء يصدق على التّزكية من جهة الأخبار عن موافقة المعتقد فيلزم قبول الواحد فيها وفيه انّ غاية ما يفيده مفهوم الأية هو جواز العمل بنبأ غير الفاسق في الجملة وإن كان من جهة كونه أحد شطرى البيّنة وذلك لا يفيد الّا جواز العمل به في الجملة لأخصوص العمل إذا كان واحدا مط كما هو المطلوب وربّما أجاب بعضهم عن الاستدلال بالأية بانّه مؤدّ إلى حصول التّناقض في مدلول الأية لأنّه يدلّ على انّ قبول خبر الواحد موقوف على انتفاء الفسق في نفس الأمر وانتفاء الفسق في نفس الأمر لا يعلم الّا مع العلم بالعدالة فشرط قبول الخبر هو العلم بالعدالة وخبر المزكى الواحد لا يفيد العلم وان كان عدلا فإذا اعتبرنا تزكية الواحد فقد عملنا